بشاقرة نفر
المواضيع الأخيرة
» منأشدة للاحياء المنتدى
الأحد أغسطس 16, 2015 2:23 am من طرف ود النيل

» المنتدى مهمل
الأحد أغسطس 16, 2015 1:44 am من طرف ود النيل

» صباحات ...... غادة فؤاد السمان
الإثنين أبريل 07, 2014 4:32 pm من طرف غادا فؤاد السمّان

» ليش بسكر الجوال تخاف من الهواء البارد حول الف ريال - قصيدة
الثلاثاء فبراير 26, 2013 12:46 am من طرف محمد احمد عويضة

» الصديق أبو إدريس الرجل الذي فقدناه
الجمعة نوفمبر 23, 2012 10:52 am من طرف ايهاب عبدالفتاح محمد

» من المحسى للاهل بالبشاقرة شرق
الجمعة نوفمبر 23, 2012 9:33 am من طرف ايهاب عبدالفتاح محمد

» بشائر الفضل الإلهى فى العقيدة
الأحد فبراير 12, 2012 10:02 am من طرف انورفؤاد

» فقيد البشاقرة
الخميس سبتمبر 29, 2011 3:25 am من طرف ود الفعج

» عــــــــــــــــــــــــــــدنا
السبت أغسطس 06, 2011 2:25 pm من طرف Admin

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

التبادل الاعلاني
أكتوبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 0 عُضو متصل حالياً 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 0 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

[ مُعاينة اللائحة بأكملها ]


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 400 بتاريخ الثلاثاء يونيو 19, 2012 6:41 am

مقال ادبي :نَوح على تربال هاجر إلى بلاد «تموت من البرد حيتانها»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مقال ادبي :نَوح على تربال هاجر إلى بلاد «تموت من البرد حيتانها»

مُساهمة  مامون عثمان في الخميس فبراير 26, 2009 2:05 am

الاخوة الكرام رواد المنتدي لفائدة الجميع ارسل المقال التالي بحق الاديب الراحل الطيب صالح وهو للدكتور غازي صلاح الدين بعنوان :

نَوح على تربال هاجر إلى بلاد «تموت من البرد حيتانها»


د. غازي صلاح الدين العتباني



إلهنا العظيم - أنت تعلم ما لا نعلم - جرى اليوم حدث عالمي الأبعاد. أخذ الموت الطيب صالح بعد أن أرجأه ثمانين عاماً. وإنها يا إلهي لصفقة عادلة -فلا اعتراض على حكمك. ثمانون عاماً جال فيها وصال، وكتب وقال، وأبدع وأمتع، وباختصار: زحم ذلك الأديب المتواضع الآفاق بمنكبيه. ولو أننا نظرنا إلى ما حققه بمعطيات بدايته لقدمناه على كل أولئك الذين بدأوا رحلة نجاحهم الأدبي وفي أفواههم ملاعق من ذهب.

مثلنا، ومثل الناس جميعاً، حتى الصالحين منهم، كان الطيب يخاف من الموت«3» وهو، من شدة خوفه، جعل لتصاوير الموت في أدبه دراما وملحمة لها دويّ - بخلاف ما نفعل نحن حينما ننزوي عندما يذكر الموت. هو نصب للموت سرادقات من الخيال، وصوّره في ألوان شتى. صوّره وهو ينسل إلى فرائسه بصنوف المكر والمباغتة - قاعدة في رواياته لا تخطئ. مقتل جين مورس..مقتل حسنة بت محمود وود الريس في مشهد واحد..ثم مصرع ضو البيت الذي اختفى في البحر «اختفى، لا خبر ولا أثر، ذهب من حيث أتى، من الماء إلى الماء، ومن الظلام إلى الظلام»«4» كأن احتفاء الطيب بالموت هذه الحفاوة وتهويله هذا التهويل، محاولة منه لأن يسترضيه. وقد جاءه الموت بعد صراع متطاول مع المرض فكان بخلاف دراما قصصه، وهكذا أراده هو - فلك الحمد يا إلهنا.

----

جلسنا -كما قلت لكم أيها السادة من قبل- عصر ذلك اليوم في مطعم ببرشلونة إلى طبق «بائيّة» دعاني إليه. كنت قد ذكرت لكم حينها، وأعيد القول هنا، أن أصل ذلك الاسم ككثير من مفردات الإسبانية، عربي، من «بقيّة» أو «بقايا». المورسكيون«5» الذين انقلب الدهر عليهم وفقدوا ملكاً «بكوا عليه كالنساء عندما لم يحافظوا عليه كالرجال» على قول عائشة والدة أبو عبد الله آخر ملوك بني الأحمر الذي سلم إيزابيلا وقرينها فردناند مفاتيح غرناطة، يبدو أنهم لجأوا إلى الاقتصاد في الأكل عندما انحطت أحوال معاشهم فاخترعوا أكلة البقايا يعدّونها بخلط بقايا الأرز والسمك وصنوف أخرى من الطعام في طبق واحد. إلى هنا والأمر لا يستحق الدهشة، الدهشة مصدرها أن أهل قشتالة وأرغون الذين تغلبوا على المورسكيين وسادوهم بعد أن انقلبت حظوظ دهرهم، لم يحسنوا من فنون الطبخ ولا من بدائع الحياة الحضرية شيئاً كثيراً ولا قليلاً؛ كانوا لا يحسنون غير القتال، فأخذوا فنون الطعام من المورسكيين الذين بقيت عاداتهم تحكي عن سؤدد قديم وعظمة قد قد أبلتها تصاريف الدهر.

تلاحيت وأستاذ الطيب في جدوى فتح المسلمين إسبانيا، أو غزوها بحسب زاوية نظرك، لكننا لم نتلاح في حبّها، ولعل رائعة نزار قد تخللت تلافيف جدالنا فخففت من وطأته:

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد

عينان سوداوان في حجريهما تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد

هل أنت إسبانـية؟ ساءلـتها قالت: وفي غـرناطة ميلادي

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة في تينـك العينين بعد رقاد

وأمـية راياتـها مرفوعـة وجيـادها موصـولة بجيـاد

ما أغرب التاريخ كيف أعادني لحفيـدة سـمراء من أحفادي

لم أسلّم له برأيه الذي ألحّ عليه هو واستغربت له أنا، لكنني خرجت من ذلك اللقاء بأن للرجل جرأة فكرية عجيبة وأن آراءه على بساطته في عرضها تحمل مخزوناً منطقياًً من مصلحتك ألا تستهين به. ما لم أذكره في تلك اللحظة، وربما لو ذكرته لأسعفتني الحجة عليه، هو أن كتابات الطيب تفضح ولهه بإسبانيا في عهدها الإسلامي، كولهه بكل ما يمت إلى العربية بصلة. تبينت ذلك في ما بعد، سواءً في كتاباته الصحفية عن الأكبريين «6»، أو لما عدت إلى «موسم الهجرة» فوجدت إحدى شخصياتها إيزابيلا سيمور تقول له، أو بالأحرى تقول لمصطفى سعيد:

- «هل تدري أن أمي إسبانية»؛

فيجيبها، أو بالأحرى يجيبها مصطفى سعيد:

- «هذا إذن يفسر كل شيء. يفسر لقاءنا صدفة، وتفاهمنا تلقائياً، كأننا تعارفنا منذ قرون. لا بد أن جدي كان جندياً في جيش طارق بن زياد. ولا بد أنه قابل جدتك وهي تجني العنب في بستان في أشبيلية»

ما الفرق إذن بين ما قاله نزار وما قاله الطيب ؟، لا فرق !! سوى أن الطيب كان يجادل لكن بعقله ويكتب بقلبه.

*****

ثم اجتمعنا -أيها السادة - بدعوة منه مرة ثانية بمطعم بلندن، وهو لم يحدث أن سمع بزيارتي مدينة يقيم بها إلا بادر إلى دعوتي، رغم قصر مدة معرفتنا منذ تلاقينا أول مرة في عام 1998 ، كان دائما هكذا -شيخ عرب لا يسمح لك بأن تمد يدك إلى محفظتك لتدفع. يملأ وحشة غرباه بالأنس إلى كل من يذكّره في برد الغربة بعهوده القديمة حيث نشأ ومن حيث جاء.

تسامرنا وتجادلنا وتلاحينا مرة أخرى، فهو لا يتوقف حين يرمي بوجهك رأياً يسخّن الدم الصاعد إلى رأسك، لكنه يفعل ذلك بهدوء ولسان حاله يقول إن الغضب مرفوع وبيننا المنطق.

طرح موضوع العنف، وهو السلوك الذي أجزم بأنه لا يجد في نفسه موقعاً ولا أذكر أنني صادفت شخصاً مسالماً مثله. أحببت أن أتفلسف فقلت: في عالم السياسة لا بد من درجة من العنف المنظّم المنضبط بالقانون والذي تنفذه الدولة لا الأفراد. فالسجن على سبيل المثال، والأحكام الأخرى العقابية، وقتال الأعداء كلها أعمال عنف مشروعة إذا انضبطت بضابط القانون وصدرت من سلطة ذات مشروعية.

اكفهر وجهه، كأنه ندم على دعوتي، وبدا أنه غير حفيّ بأي حديث عن العنف حتى لو كان موضوعياً ومنطقياً. تراجعت عن محاولتي وتراجعت عن الموضوع برمته بسرعة عندما أدركت أنه لا جدوى من نقاشه وأن أدنى ما يفعله طرح الموضوع هو التنكيد على أديب ذي نفس شاعرية لا يستسيغ مثل هذا المنطق القانوني الفظ.

عادت بي الذكرى مرة أخرى إلى «موسم الهجرة» فتذكرت أن مصطفى سعيد المتهم زوراً في الذاكرة العامة بأنه صنيعة المستعمر كان في حقيقة أمره من أشد الناقمين على ذلك المستعمر. يقول مصطفى سعيد:

- «البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز، وسكك الحديد إنشئت أصلا لنقل الجنود. وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول «نعم» بلغتهم. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر....نعم يا سادتي إنني جئتكم غازياً في عقر داركم، قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لست عطيلا. عطيل كان أكذوبة».

جرثومة العنف الأوروبي..إذن الطيب لم يكن ناقماً على عنف الحكم الوطني وحده، بل هو يعد جرثومته الأصلية قد وردت من أوروبا. لهذا السبب هو متشكك في كل ضروب العنف، طاعناً في جدواه، وفي مشروعيته، وفي مشروعية الذين يفترضون لأنفسهم حق ممارسته، حتى لو أسندت دعواهم حجج العلم والقانون.

تتضح مفاهيم الطيب السياسية أكثر شيء في روايته «دومة ود حامد». وهي رواية حافلة بالرمزية السياسية الذكيّة، بل إنني أرى الرواية كلها نقداً وسخرية عميقة من العقلية السياسية التي حكمت السودان في العهدين الاستعماري والوطني، وللأساليب التي مورس بها الحكم. ويتميّز الطيب هنا بعدم اجترائه على نقد الحكم الوطني وحده -على عادة كثير من المثقفين- وكأنه يقول إن جرثومة الإخفاق نشأت في العهد الاستعماري واستمرت في العهد الوطني. أقوى تلخيص لهذا النقد يأتي في خاتمة الرواية عندما يلقي السائل باستفساره:

- «هل تظن أن الدومة ستقطع يوماً؟»

فيجيبه الراوي العجوز:

- «لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة. ليس ثمة داع لإزالة الضريح. الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعاً أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء -يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة»

إنه لا يرى منطقاً وراء كل هذه الصراعات التي شغلت حكومة المستعمر كما شغلت الساسة الوطنيين وحكوماتهم وأنصارهم من الأحزاب وأدمت البلاد وأرهقتها. ولو أنهم تدبروا الأمر مليّاً وأبدوا القدر اللازم من العقل والتواضع لتجاوزوا كل المشكلات وحققوا كل المطالب دون حاجة إلى صراع ولا دماء.

*****

موهبة الطيب تمثلت في براعته في الانتقال بطرفة عين من عالم جين سيمور إلى عالم بت مجذوب، وهما عالمان بينهما مهامه فيافي. وهو رغم إعجابه بعالم جين سيمور يظل وفياً لبيئته الأولى التي نشأ بها، فخوراً بها على علاتها. هذه القدرة على تقديم بيئته في وطنه الأول وعرض الجوانب الإنسانية والخير الراسخة في أهله؛ هذا المزيج من شكوى الزمان ولكن في صبر واحتساب تبرز جانب العبقرية التي ميزت الطيب وقربت أدبه إلى ثقافات بشرية أخرى شتى.

جدير بالإشارة إلى أن منهج الطيب هنا متردد ومتكرر في الأدبيات السودانية. أنظر إلى وصف الاحتساب والتسليم العميق بالقدر في الشخصية السودانية عند المجذوب حين يقول:

وطني الذي أهوى كتاب ملاحم كبرى تضيء على الزمان وتبهر

وعمائم بيض تهل غمائماً في ظلها كرم يهشّ منضر

وقرى على النيل الوفي برزقه ترضى وتؤمن بالقضاء وتصبر«01»

والبيت الأخير هو بيت القصيد، فلا سمة أظهر في ذلك العالم من الصبر ثم الاستعداد لمزيد من الصبر في قرى عيشها وصبحها ومساها أن ترضى وتؤمن بالقضاء وتصبر.

يقول الراوي في «دومة ود حامد» ملخصاً تلك المعاني، ولكن باستفاضة نثرية:

- «لو جئت بلدنا سائحاً، فأغلب الظن يا بني أنك لن تمكث فيها طويلاً؛ تجيئنا شتاءً وقت لقاح النخل، فترى سحابة داكنة ربضت على البلد...هذا سرب واحد من أسراب النمتة التي تربط على الداخلين إلينا أفواه الطرق...وتجيئنا صيفاً فتجد عندنا ذباب البقر -ذباب ضخم كحملان الخريف، كما نقول بلهجتنا، ومن هذا البلاء أهون عليك النمتة ألف مرة»

ثم يخلص الراوي إلى حكمه على ذلك العالم دون إحساس بالخجل منه:

«سترحل عن بلدنا غداً، أنا واثق من ذلك، وحسناً تفعل، مالك ولهذا العناء؟ نحن قوم جلودنا ثخينة، ليست كجلود سائر الناس. لقد اعتدنا هذه الحياة الخشنة، بل نحن في الواقع نحبها، لكننا لا نطلب من أحد أن يجشم نفسه مشقة الحياة عندنا» «11»

هذه الحفاوة بالفقر والبؤس التي تخفي تحتها عظمة الإنسان تذكر بتشبيب صلاح أحمد إبراهيم بالسودان على علاته متحدياً من يعترض:

ما شين ودشن...وهظاره خشن

بسموم وسوافى...وحر سيافى...وقولة مافى

شين ودشن، لكنه برغم ذلك:

الشعب الحر...الفعله بسر...أب لحما مر

دا أخو الواقفة تعشى الضيف

الحافظ ديمه حقوق الغير

سيد الماعون السالي السيف

الهدمو مترب وقلبو نضيف

خصوصية السودان هذه لم يقتصر التعبير عنها على أدبائه بل عبّر عنها آخرون كان الطيب لصيقاً بعالمهم الواسع المركب. أنظر إلى ما يقوله روديارد كيبلنق شاعر الإمبراطورية البريطانية عن هذه الخصوصية:

عبر البحار كم جالدنا الأعداء

بعضهم كان جسوراً وبعضهم لم يكن كذلك

الباتان...الزولو...والبورميين

لكن الأشعث كان أعجبهم جميعاً«21»

والأشعث يمثل مقاتلي الأمير عثمان دقنة في الشرق خاصة في معركة التيب في فبراير عام 1884م.



*****

«عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوروبا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي وضجّوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد «تموت من البرد حيتانها»«31»

هاجر التربال في 1952، ملأ الدنيا بأحاديثه عن الناس وأحاديث الناس عنه. نال الجوائز والتقديرات، ألقى المحاضرات، شهد المناظرات، ثم عاد محمولاً إلى بلده بعد سياحة سبعة وخمسين عاماً. عاد مقروراً من بلاد تجمد الشموس من بردها وتهلك الحيتان في بحارها. عاد محمولا على نعش وأفضى إلى عالم جديد عالم يستوي فيه الناس بين يدي عدالة سماوية تستعصي على بشريتنا أسرارها.

فيا إلهنا الواحد الأحد، أنت القائل:

(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)«41».

ما أعظم وعيدك يا إلهى، ولكن ما أوفى وعدك؛ ما أهول عذابك، ولكن ما أوسع عفوك. في يوم يأتيك فيه الناس بارزين بمخازيهم: الجبابرة بارزون بظلمهم وتجبرهم؛ الخونة بارزون بخيانتهم، الأشحاء بارزون بشحهم؛ القتلة بارزون بقتلاهم؛ المفسدون بإفسادهم؛ جميعهم بارزون لا يخفى منهم شيء.

لمن الملك اليوم- أعظم بالسؤال وأعظم بالسائل! لله الواحد القهار.

إلهنا كيف نقدم لك تربالاً بسيطاً وكيف نشهد له عندك. أنقول إنه كان كالحسن البصري زهداً؟ أم نقول إنه كان كأبي الدرداء عبادة؟ لا نقول، ولكن من منا بلغ ذلك المبلغ؟

ولكن إلهنا الفرد الصمد نقول: إنه كان من أكثر الناس تواضعاً، جاب الأرض وأكرمته الملوك، واحتفى به الناس من جميع الأجناس، لكنه لم يستهوه النظر في عطفيه، بل كان يقول ببساطة: «أنا رجل بسيط؛ تربال ابن تربال».

نقول يا إلهنا: إنه كان رجلاً مسالما، لم يؤذ أحداً ولا استلب حق أحد من الناس.

نقول يا إلهنا العلي العظيم: إنه أحب تلك اللغة الجميلة وعرّف العالم بها، لغة كتابك وقرآنك.

إلهنا إننا نشهد له بذلك وأنت أعلم بسريرته منّا، ونحن إذ ندعوك نعلم أنه لا يدخل أحدنا جنتك بعمله، ولكن يدخلها بفضلك ورحمتك التي وسعت كل شيء. إلهنا، أما وقد أودعناه لديك وأسلمه الأشحاء منا إلى حسابه، فأدخله الجنة بفضلك لا بعمله، فما أغناك سبحانك عن عذابه وما أحوجه هو إلى رحمتك.

-------------------------------------------------

هوامش

1- تربال: تعني المزارع المباشر للأرض والفلاحة؛ وفي ظني أن المقصود بها أفقر أنواع الزراع وأبأسهم لأنه عامل على الأرض غير مالك لها. والشائع ردها إلى اللغة النوبية، وللعلامة عبد الله الطيب مذهب في ردها إلى العربية باعتبار أن أصلها «تربان» من التراب، وهو رأي كما ترى لا يخلو من ذكاء وطرافة، وإن كنت أرجح الأصل النوبي، فهكذا في دارجيتنا معظم ما يتعلق بالزراعة.

2- تعبير مقتبس من مقدمة «موسم الهجرة إلى الشمال».

3- قال رسول الله، «صلى الله عليه وسلم»: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. قال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه؛ وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه.

4- بندرشاه.

5- المورسكيون هم من بقى من المسلمين في مدن مملكتي قشتالة وأرغون بعد زوال دولتهم بدخول إيزابيلا القشتالية وزوجها فردناند الأرغوني مدينة غرناطة عام1492م.. وقد ظل المورسكيون في حالة تمرد وثورات قرابة المائة وعشرين سنة بسبب نقض المعاهدة التي ضمنت حقوقهم وخرج بموجبها آخر حاكم مسلم هو أبو عبد الله من غرناطة. وعندما ضاقت الدولة القشتالية (سلف مملكة إسبانيا الراهنة) بتمسكهم بدينهم وثقافتهم خيرتهم في عام «1609» بين الخروج نهائياً من جزيرة إيبيريا أو التحول إلى الكاثوليكية واطّراح اللغة والملابس العربية إلى غير رجعة ودون أية مساومة.

6- الأكبريون: أتباع «الإمام الأكبر» محيي الدين بن عربي من الإسبان والأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام.

مامون عثمان

عدد الرسائل : 3
العمر : 45
تاريخ التسجيل : 24/01/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مقال ادبي :نَوح على تربال هاجر إلى بلاد «تموت من البرد حيتانها»

مُساهمة  ياسرعبدالمنعم على الجاك في السبت فبراير 28, 2009 2:15 pm

لك التحيات الغوالى استاذنا / مامون عثمان ..

ومشكور على هذا المقال .الا رحم الله الاديب الطيب صالح بقدر ماقدم من ابداع وسطر يراعه . وهذه مشئية الله فوق كل شى .

ياسرعبدالمنعم على الجاك

عدد الرسائل : 17
العمر : 45
تاريخ التسجيل : 01/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى